توجه إيران إلى العمل والمساعدة لبناء الدولة في العراق. ج١

توجه إيران إلى العمل والمساعدة لبناء الدولة في العراق. ج١

Linkedin
Google plus
whatsapp
يوليو 29, 2021 | 7:27 م

 

ــ محمد صادق الهاشمي ..

 

· مؤشرات فوز رئيسي على العلاقة بين إيران والعراق والملفات البقية مستقبلًا.

 

صعود السيد إبراهيم رئيسي، بلا إشكال أتى بعد قناعة شعبية من الجمهور الإيراني، وقناعة المؤسسات الصانعة للسياسة في إيران؛ بهذا الرجل، وما يتبناه من رؤية داخل إيران وخارجها، ومن هنا يمكن القول إنَّ صعود الرجل يعني صعود الرؤية الحاكمة، أو التي يراد أن تحكم في المرحلة القادمة في إيران، بكل تفاصيلها، وإستراتيجيتها الخاصة والعامة بخصوص الداخل والمحيط الإقليمي والدولي، ولأجل ذلك يمكن وضع التصورات العامة للعلاقات الإيرانية العراقية في المرحلة القادمة على وفق الآتي:

1- سوف تتجه إيران إلى ترسيخ مفهوم (الدولة) في العراق، وهو هدفها الأساس منذ عام 2003، إلا أنَّ التحديات التي تتحرك في عقلية صانع القرار الخليجي والدولي، كانت تحث السير، وتسارع الخطى لمنع العراق من بناء مؤسسة الدولة؛ عن طريق خلق الإرباك، والحروب، وإنهاك الجمهور، واستنزاف الاقتصاد؛ مما جعل إيران منشغلة إلى حد كبير في سياسة دعم الاستقرار وإطفاء الحرائق المفروضة، بدلًا من الانشغال بالبناء في العراق.

والآن بعد بلوغ العراق مستوىً من الاستقرار الأمني، لأسباب كثيرة وفرتها الانتصارات على التحديات، وترصين القوة الأمنية الداخلية، فضلًا عن الانتصارات في سورية ولبنان، وهزيمة الإرهاب، ودخول المنطقة في تفاهمات علنية وسرية بنحو واضح وجليّ… لم يبقَ أمام العراق إلا إعادة صناعة الدولة، وترسيخ مفهومها ووجودها وفاعليتها.

بطبيعة الحال، هذه الرغبة والتوجه الإيراني يحتاج إلى تظافر الجهود في العراق، وتقوية التفاهمات بين الأحزاب والمكونات، وخلق الأسس المشتركة، ووضع الثوابت والقواسم التي تتجه الأطراف كلها لها، وعن طريقها إلى عهد جديد، كما أنّ إيران تتجه في ظل رئيسي إلى عهد جديد يمكن أن يقال عنه (عهد الجمهورية الثالثة)؛ لأنّ السيد رئيسي سوف يبقى لمدة أطول في القرار المؤسساتي الإيراني كما يبدو.

وعليه، لا بد للعراقيين من تأسيس خط راسخ وثابت، ومشتركات لا تتضرر بفعل تعدد الأحزاب، واختلاف توجهاتها وأيدولوجياتها ومصالحها.

قد يُسأل: وهل إيران عازمة على مساعدة العراقيين على بناء دولتهم؟

الجواب: إنَّ الكلام المنصف، والفهم الأعمق يشير إلى أنَّ إيران لا تستقر إلا باستقرار الجوار؛ فالعراق (الدولة المستقرة) لإيران أفضل من (العراق اللامستقر)، لأنّ اللااستقرار يمَكِّن الأغيار من اللعب على الأوراق السياسية والاقتصادية، ويجعل إيران بموقف أضعف لضياع جهدها في التقريب، لكنها تريد من جهدها أن يتجه إلى البناء.

نعم، أيّ عبث في العراق، وإرتباك أمني، أو خلل اقتصادي أو اجتماعي، أو صراع سياسي؛ يطيل من عمر الاحتلال، ويعقد العلاقات الإيرانية مع العراق، لأنَّ أميركا تكون نافذة في ضعف العراق، وضعيفة في قوته، وتلك معادلة ثابتة في إستراتيجية إيران منذ 2003، وتتحين الفرص لها، والفرصة الآن مؤاتية أكثر من أي وقت مضى، وسيكون عهد رئيسي سائرًا بهذا الاتجاه، من هنا دُعِيَ رئيس الوزراء العراقي السيد الكاظمي.

إنَّ هذا الأمر –بناء الدولة العراقية– سوف يكون، أو لا يكون في الانتخابات القادمة، وهى نقطة الشروع بهذا الاتجاه، ومؤكَّدًا في الساحة العراقية؛ حتى تكون مستعدة لهذا البناء، فإنه لا يعتمد في الانتخابات القادمة على العدد الفائز، بل العدد القادر على صناعة التفاهمات، والتوافق على مفهوم الدولة، وترسيم خطط وبرامج الخدمات، وتحريك عجلة الاقتصاد، والنهوض في كل المجالات.

بالتأكيد أنَّ هكذا توجه لدى إيران يتعارض مع رغبة أميركا، التي تريد عراقًا مفككًا تستثمر فيه وجودها، وتلعب أوراقها؛ لتحرق من تشاء، وتهمش من تريد، وتستعمل من تأتمنه.

من هنا، فإنَّ الأحزاب العراقية كلها دون استثناء –الشيعي منها بالخصوص- عليها فَهْم وترسيخ هذه الثقافة في سلوكها وبرامجها وتفاهماتها؛ عن طريق الإخلاص العالي، والبرامج البنَّاءة التي تعيد ثقة الجمهور بالعملية السياسية، وأنّ القوي والمخلص والصادق والثائر والوطني ورافع شعار الدولة؛ عليه العمل الجاد عملًا لا شعارات فارغة!، وأن تغادر الأحزاب جميعها عقلية الفرض والقوة والمحاصصات والمغالبات باسم الأغلبية.

2- مدركات إيران في بناء الدولة العراقية

توجه إيران لبناء الدولة العراقية، أو المساعدة والحث للقوى والأحزاب في هذا الاتجاه؛ مدرك إيران منذ تأسيس الحكومة العراقية، لأسباب عديدة وهي:

أولًا: العراق هو الدولة العربية الوحيدة على وجه الأرض، وضمن المنظومة العربية والخليجية، وحتى الشيعية في العالم العربي؛ تُعَدُّ الأغلبية فيها هي المكون الشيعي، ولم يتمكن هذا المكوِّن من نيل حقه السياسي دستوريًا إلا في ظل الحكم الحالي، فإنَّ أي تراجع هو تراجع لفرصة ذهبية لشيعة العراق، والشيعة في العالم، وإيران بنحو أكيد، وليس خفيًا أنَّ إيران مثل أية دولة ضمن المنظومة السياسية، نجدها لأجل قوتها داخليًا تبحث عن عمق مستقر، وليس عمقًا متزلزلًا، ومن هنا نفهم أنَّ كل المواقف السابقة لإيران في الدفاع عن العراق؛ هي لأجل قطع الطريق على من يريد خطف فرصة حكم الشيعة في العراق.

ثانيًا: النصر الذي تحقق على (داعش) يدخل في حسابات الشيعة عمومًا وإيران بنحو خاص؛ لترسيخ وجودهم، فهزيمة الإرهاب هي هزيمة للداعمين من المحور الدولي والإقليمي، وترتب عليه أثرًا مهمًا، وهو أنَّ المحور المنتصر تمكن أن يعيد بناء ذاته، ويتمحور، ويثبت وجوده في الصراع والنظام الدولي الجديد.

في سورية، نجد أنها تتجه إلى تثبيت أركان الدولة عن طريق إعادة انتخاب الأسد، وفي إيران، يتجه خط البناء الثوري المؤسِّس والمعمِّق للدولة إلى إيجاد دول شيعية حليفة، هذا زيادة على المحاور البقية التي تقاوم؛ لإثبات وجودها في اليمن وغيره… كل تلك المعطيات تملي على إيران الخروج من دائرة الصراع، وبور النزاع، وتُخرج معها الحلفاء؛ لحصد الثمار، وجني الأرباح ببناء نظم سياسية مستقرة، قادرة لِتكون محورًا إقليميًا مهمًا.

ثالثًا: كذلك من مدركات إيران في هذه المرحلة، وفي كل مرحلة، أنَّ العالم القادم هو عالم الصراع حول الاقتصاد، والعراق يُمَثِّل محورًا مهمًا وجوهريًا في اقتصاده، وفي مرور خط الاقتصاد العالمي من خلاله، كما أنَّ الجغرافية العراقية الاقتصادية؛ تجعله حلقة الوصل الصيني والإيراني نحو البحر المتوسط وأوربا.

من هنا لا يمكن الحضور العالمي، وتحقيق الوجود المستقبلي، إلا في ظل… ومن خلال العراق القوي.

رابعًا: إيران تدرك أنَّ هزيمة أميركا في العراق، لا تتحقق في أيَّة آلية، إلا آلية بناء الدولة القادرة على اتِّخاذ القرار الاقتصادي والسياسي والأمني؛ ومن هنا نجد أنَّ الأميركي يحاول جادًا –بعد إدراكه لتلك الحقيقة– تهميش الشيعة، أو يفرغ قبضتهم من الحكم، ويجعل نقطة القوة في القرار السياسي في اللاعب الكردي والسني والعلماني المرتبط به.

خامسًا: العراق الآن بحاجة أكثر إلى بناء دولته؛ كون الأميركي يلعب على ورقة تفتيت القوة الشيعية من جهة، ومن جهة أخرى يحاول تفعيل أطرافٍ لتهميش أطرافٍ أخرى، كذلك يحاول جعْل بعض الأطراف الشيعية تتبنى أيديولوجيات متناقضة؛ فبعضها يسير نحو التعامل مع اللاعب الأميركي.

وإيران تدرك حال عدم ترصين الوضع العراقي داخليًا لتتجه به وتساعده لبناء الدولة؛ فإنّ المِشرط الأميركي يجزئ القوى الشيعية، بما يمنعها من بناء دولتها، وربما يجعلها بوضع متضاد متصارع سياسيا.

سادسًا: مخرجات الحرب على الإرهاب في العراق، فرضت واقعًا شيعيًا جديدًا، يتمثل بفرض الشيعة وجودهم السياسي، مع ما يعتريه من مشكلات جسيمة، وفرض قوة قادرة على حماية النظام السياسي، إلا أنها الأخرى تحتاج إلى تأهيل نفسها؛ لممارسة السلوك الذي يسهم في بناء الدولة، وهذا يجعل الأمر يسيرًا على المرجعية الدينية والأحزاب الشيعية، وبمساعدة إيران من استثمار المخرجات للعبور من مرحلة الحفاظ على المكتسبات، إلى جعل العراق دولة قديرة بإذن الله تعالى.

مواضيع عشوائية