الاحتلال والخداع الستراتيجي..أزمة الخطاب والفهم

الاحتلال والخداع الستراتيجي..أزمة الخطاب والفهم

Linkedin
Google plus
whatsapp
فبراير 4, 2023 | 3:43 م

 

ــ حافظ آل بشارة  ..

 

تبدو كلمات مثل الاستعمار والاحتلال وكأنها مصطلحات قديمة يلزمها اعادة تعريف ، لم تتغير حقيقة الاحتلال ولكن تغيرت الاساليب والوسائل واصبحت بحاجة الى تسميات جديدة ، بشكل عام يبدأ الاحتلال بغزو عسكري فاذا لم يواجه مقاومة تهزمه انتقل الى مرحلة الاحتلال السياسي ثم الاقتصادي ثم الاحتلال الثقافي ، كل هذه المراحل حدثت في العراق ، اذ جاء الاحتلال العسكري الامريكي الذي اسقط النظام السابق ، الامر الذي جعله يرتدي ثوب المنقذ ، ثم انتقل من الشكل العسكري الى الشكل السياسي عندما قام بتشكيل النظام الجديد الموالي له ابتداء من تدخله في كتابة الدستور الى اجراء الانتخابات والتدخل فيها ثم تشكيل الحكومة ومجلس النواب والقوات المسلحة ، وتطبيق المحاصصة ، وبعد الاحتلال السياسي بدأ الاحتلال الثقافي الذي يرمي الى تكوين منظومة ثقافية جديدة للشعب العراقي هدفها سلخ الشباب من عقيدته ونشر الانحلال الاخلاقي والالحاد وعدم المبالاة وتعاطي المخدرات وتفتيت الأسرة.

اما النخبة السياسية العراقية وموقفها من الاحتلال فقد انقسمت الى ثلاثة اصناف وهذا ما يحدث غالبا في اي بلد يقع تحت طائلة الاحتلال :

1- قوى سياسية تابعة للاحتلال وتمثل اذرعه وتنفذ مخططاته ، وقد دخلت العملية السياسية للعمل بالنيابة عنه.

2- قوى سياسية شريكة للاحتلال اي تتعاون معه بشروطها لا بشروطه ، وتحصل على مكاسب محددة فان لم تحصل على ما تريد بدأت تزعج الاحتلال وتخلق له المتاعب.

3- قوى سياسية مقاومة او رافضة للاحتلال شاركت في العملية السياسية لخدمة الشعب وتطوير اساليبها في مواجهة الاحتلال.

وكانت الاحزاب والشخصيات المقاومة قد حاولت اقامة علاقات تفاهم مع ادوات الاحتلال وشركاءه وذلك من اجل تخفيف وطأته على الشعب وتحسين ظروفه وحل بعض مشاكله.

لكن تقسيم القوى بهذا الشكل لا يعني انها تسير على سياق ثابت ، فالجميع يضغطون على الاحتلال لتحقيق اهدافهم، فقد يعلن حزب من اتباع الاحتلال انه يتحاور مع حزب مقاوم للفت النظر والحصول على مكاسب اضافية ، وقد يكلف حزب او شخص من اتباع الاحتلال بالتواصل مع المقاومة بامر من اسياده، وقد يعلن شركاء الاحتلال عبر الاعلام تضامنهم مع المقاومة كرسالة تهديد موجهة له لزيادة مكاسبهم ، وقد يخترق الاحتلال المقاومة فيزرع اشخاصا او يصنع جناحا مواليا له داخلها ، وقد يعلن حزب مقاوم محادثات مع الاحتلال للحصول على فرص لتطوير اساليبه.

عندما يأخذ الاحتلال شكلا سياسيا فذلك لا يعني انه اقل شرا ، انه يشكل نظاما سياسيا مواليا له يضمن بقاءه ويقضي على كل اشكال الرفض والمقاومة ، فالحكومة التي اقامها الاحتلال في العراق مطلوب منها ان تخدمه وتحفظ مصالحه وتمنع كل اشكال المقاومة ضده ، لذلك فان النظام الجديد كان متحفزا دائما للمواجهة فاميركا لا تقاتل العراقيين بجنودها بل تقاتلهم بعراقيين مثلهم ، القتال بالنيابة ، وبمرور الزمن بدأ فرز الخنادق واتضح ان اغلب ساسة المكونات اما ادوات للاحتلال او شركاء له ، واتضح ان المقاومة شيعية لذا اصبح ضغط الاحتلال منصبا على الشيعة ، فبدأت مؤسسات النظام الذي صنعته اميركا تعمل بجد من اجل كبح المقاومة ، وكانت أهم واخطر تلك المحاولات :

1- استخدم الاحتلال اتباعه التكفيريين في العراق والدول المجاورة لاصدار فتاوى التكفير ضد الشيعة ، والتشجيع على ابادتهم.

2- استخدم الاحتلال اتباعه في العراق والعالم العربي لارسال الانتحاريين والمفخخات لابادة الشيعة.

3- قام الاحتلال بشن حملة من الجرائم الطائفية الدبرة والمتقابلة لاشعال حرب اهلية في العراق .

4- قام الاحتلال بارسال جيش الظل المسمى داعش واحتل ثلث مساحة العراق لاسقاط النظام الذي صنعه ، وامرار العراق بنوبة جديدة من العنف والدماء.

5- قام الاحتلال بتنظيم تظاهرات في المحافظات الشيعية وحاول تفجير حرب اهلية بين الشيعة انفسهم عندما قسم عملاءه الى متظاهرين ومندسين يقتلونهم.

6- قام الاحتلال بصناعة ضد نوعي شيعي مكلف بانهاء المقاومة ، ووصفها بأنها فصائل واحزاب ايرانية. وبصناعة الضد النوعي الشيعي تضائل دور ادوات الاحتلال من المكونات الاخرى.

7- قام الاحتلال بصناعة مرجعيات شيعية مزيفة ممولة من اسرائيل والامارات لارباك دور المرجعية الحقيقية ، وعزفوا على وتر المرجعية العربية مقابل المرجعية الاعجمية وهم يعلمون ان تصنيفا كهذا لا وجود له في الاسلام .

8- قام الاحتلال باستقطاب رؤساء عشائر شيعة وتمويلهم ودعمهم كضد نوعي للعشائر التي تدعم المرجعية والمقاومة.

9- قام الاحتلال باثارة الشبهات والنقاشات حول عقائد الشيعة عبر اعلامه المتعدد الوسائل لابطال عقيدة المقاومة.

10- قام الاحتلال بمحاولة لتقسيم الحشد الشعبي الى جناحين حشد العتبات وحشد الهيئة على امل اضعافه او اثارة الخلافات بين الشطرين . كما قام بقتل قادة النصر عنوة لانهم هزموا داعش ومشروعه.

11- تم ابطال الاغلبية النيابية للشيعة بابعاد القوى الشيعية الصديقة للاحتلال عن القوى الداعمة للمقاومة.

12- قام الاحتلال بربط النظام الذي اسسه في العراق بدول التطبيع مع اسرائيل كمصر والاردن ودول الخليج.

13- الاحتلال مستمر في دعم عوامل الفساد والفشل والفوضى في الدولة لابقاء العراق في حالة خراب مستمر ، وافشال اي محاولة للاصلاح.

14- قام الاحتلال بالمماطلة وتسويف سحب قواته الذي اقره مجلس النواب بضغط من قوى المقاومة ، وبدأ باختلاق مبررات لابقاء قواته ، منها :

⁃ دعم الاحتلال هجمات جديدة للدواعش في المناطق المحررة.

⁃ بدأ الاحتلال الضغط اكثر على الحشد الشعبي وضرب معسكراته واعتقال قادته واثارة الشبهات حوله.

⁃ امر الاحتلال شركاءه واتباعه السياسيين بأن يطالبوا ببقاء القوات الامريكية.

⁃ امر الحكومة بالدخول شكليا في حوار ستراتيجي ولم تتضح مخرجات ذلك الحوار.

15- من الناحية الاقتصادية الاحتلال مصر على ابقاء العراق مستوردا للسلع والخدمات ، اما وزارات الحكومة التي شكلها الاحتلال فتسعى الى تعطيل القطاعات الخدمية والانتاجية للحفاظ على الفشل و تعميقه.

16- وسائل الاعلام التابعة لحكومة الاحتلال هدفها افساد المجتمع العراقي وتمزيقه وتجهيله ونشر الرذيلة وتفكيك الأسرة.

17- النظام الذي انشأه الاحتلال مستمر في رفع مستويات الفقر والبطالة وادامة مجموعة من الازمات كأزمة الكهرباء وازمة السكن وازمة الصحة ، وسرقة عوائد النفط ، وتحطيم قيمة الدينار وغير ذلك .

18- نظام الاحتلال مستمر في نشر المخدرات في العراق على مستوى التجارة والتعاطي .

اغلب هذه الممارسات تتركز في المناطق الشيعية لانها حاضنة الحشد والمقاومة .

رغم وضوح هذه الحقائق ، نجد ان اغلب الساسة العراقيين والاعلاميين والناس يتحدثون بطريقة تدل على انهم يقلدون خطاب الاحتلال ، فالجميع يتكلمون وكأن العراق دولة مستقلة وحكومتها منتخبة وحرة في اتخاذ القرار ، وينسى الجميع ان العراق بلد محتل ، يحكمه نظام تابع للاحتلال ، والقوى السياسية مقسمة الى قوى تابعة للاحتلال ، وقوى شريكة للاحتلال ، وقوى اما رافضة له او مقاومة .

يجب على الساسة والمثقفين والكتاب فهم هذا الواقع وايجاد خطاب اعلامي وسياسي ينسجم مع الحقيقة ويعبر عنها ، وعدم الانجرار الى خطاب الاحتلال الذي يتحدث عن اوهام الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان والفصل بين السلطات واعادة بناء الدولة وغير ذلك ، وعدم الانجرار الى خطاب شركاء الاحتلال الشرطيين وانتقائيتهم وتناقضاتهم ، وتأسيس خطاب المقاومة المتميز باطاره الفكري ولغته الخاصة وصراحته.