شموخ في زمن الابتذال

شموخ في زمن الابتذال

Linkedin
Google plus
whatsapp
ديسمبر 8, 2022 | 5:09 ص

ــ الشيخ الدكتور خيرالدين الهادي ..

 

قال تعالى: ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)) المنافقون 8.

توافرت المرويات على كثير من المواطن التي جاءت للكشف عن جهات شموخ المؤمنين وعزَّهم من دون سواهم من المبتذلين الذين فقدوا لذة الشموخ بالابتعاد عن الطاعة والولاية, فصاروا عرضة للمهالك التي تحيط بالناس من زوايا الابتلاءات المتعددة, وسقطوا في شباك التهلكة بعد أنْ رضوا بأنْ يكون فريسة الهوى واتباع الشهوات فكان حظهم السقوط في البئر الذي لا قاع له؛ إذ تشابك الأمر عليهم واختلطت المفاهيم فضاعت المقاصد وأصبحوا إلى الشتات.

إنَّ الخطاب القرآني أكَّد على أنَّ العزة والشموخ لا يُنال إلا بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله الكريم(صلى الله عليه وآله), والمؤمنون في مختلف العصور أدركوا هذه الحقيقة؛ لذلك تجدهم يفرِّقون بين الهداية والضلال, وينمازون عن سواهم بأنَّهم تذوَّقوا حلاوة الشموخ والعزة في الطاعة والولاية لله تعالى ولرسوله الكريم(صلى الله عليه وآله), ولا ينتظرون رضى الناس عنهم ولا ينزلقون في مزالق أهل الدنيا باتباع أبواق الهوى وأئمة الضلال.

أمَّا عامَّة الناس فقد اختلط الأمر عليهم وأخذ البعض يتصوَّر بأنَّ العزة في المال والولد, وذهب آخرون إلى أنَّ العزة والشموخ في الوجاهة والمناصب والمسؤوليات؛ لذلك تجد أنَّ أكثر أهل الدنيا يتَّبعون أصحاب الأموال والمناصب أكثر من اتباعهم لله ورسوله ظناً منهم أنَّ هؤلاء يمكنهم أنْ ينفعونهم من دون الله تعالى, والحال أنَّ الله تعالى هو المالك الحقيقي وهو الذي يعطي ويمنع فليس لأحدٍ أنْ ينفعك إذا أراد الله أنْ يضرَّك وليس لأحد أنْ يضرُّك إذا أراد الله نفعك؛ بل ينبغي أنْ ندرك بأنَّ كلَّ الأمور تسير بمشيَّته وإرادته تعالى فهو القاهر فوق عباده.

ومع أنَّ الحقائق ناصعة البياض إلا أنَّ الناس فقدوا توازنهم بابتعادهم عن الثوابت والمبادئ؛ إذ أصبح الناس يتصوَّرون بأنَّ الغنى عزٌ والفقر ذِلٌ وهذا أساس الانحدار والسقوط في مكائد الشيطان, وعلى هذا نجد أن كثيراً من الناس يستغرق تمام عُمُره في البحث عن وسائل الغنى, ويتخذ مختلف الوسائل للوصول إلى غايته التي من أجله فنى عُمُره وطوى أيامه ففاجئه الموت الذي لابد منه ومن الاستجابة له, ولم يخرج حينئذ إلا بالذلِّ والهوان؛ إذ فاته الغنى الذي إياه طلب وأدركه الموت الذي منه هرب.

إنَّ النفاق تمام النفاق هو القول والادعاء بالرضى بفعل الله واختياراته والعمل من جهة أخرى للبحث عن العزة والشموخ عند غيره, وهذا الحال قد يلامسنا جميعا في لحظات الغفلة واستيلاء المطامع وسيطرة الهوى؛ لذلك لا ينبغي الوثوق بالنفس الامَّارة بالسوء؛ بل يجب الحذر من اتجاهات البلاء, فقد يتسلل الشيطان لواذاً فلا نشعُر بالوقوع في مصائده المتعدِّدة؛ فكما نعلم أنَّ الأمراض المعنوية لا وجع فيها لنشعر بآلامها وخطورتها كالتي تكون عند الصداع والجروح من الابتلاءات المادِّية, وهذا يجعلنا نخشى الامراض المعنوية كالنفاق الذي أمنه الناس واستحسنوه؛ بل قد يستلذون به ظناً منهم أنَّهم على الخير فيفوتهم العزة والشموخ الذي ندر في زمن الابتذال.