سيرة السيد الخميني في العهد القاجاري 1902م – 1925م

سيرة السيد الخميني في العهد القاجاري 1902م – 1925م

Linkedin
Google plus
whatsapp
مايو 23, 2024 | 9:52 م

ــ رياض سعد ..

 

لمع نجم القارجاريين بعد وفاة نادر شاه الافشاري ؛ اذ ظهرت – قبيلة القاجاريين – على مسرح الأحداث بقوة .. بادئ ذي بدء في مازندران .. ؛ثم تحركت نحو الجنوب الإيراني وحاولت الانتشار فيه ؛ وقد نجح قائدهم (( آقا محمد خان )) في توحيد فروع القبيلة بالعنف والقتل .

ثم قوي أمره واستطاع الاستيلاء على طهران عام 1779م .. ؛ وجعلها عاصمة لملكه , ولكنه لم يلقب رسميا ب: (( ملك إيران )) حتى عام 1796م .

وهاجم الشاه (( آقا محمد خان )) قوات (( لطفعلي )) المندحرة – خامس الزنديين الذين أعقبوا كريم خان – ؛ مما اضطره الى اللجوء الى كرمان .. , وقد وقع أخيرا بقبضة الشاه (( آقا محمد خان )) فعذبه حتى مات ؛ وعاقب أهل كرمان بسمل أعين عدد كبير منهم … ؛ وقد سيطر على جميع أقاليم إيران , وضم إليها (( جورجيا )) أيضا .

وبعد مقتل الشاه (( آقا محمد خان )) عام 1797م تولى الحكم ابن أخيه : فتحعلي شاه واعتلى عرش ايران حتى عام 1834م .

وقد ادعى البعض : ان ايران في عهده قد تمتعت بالهدوء والاستقرار .

وفي عهده بدأ الاتصال المباشر بالدول الغربية ؛ فعقدت معاهدة تحالف بين فرنسا وإيران عام 1807م , وكان (( نابليون )) يأمل من خلال هذه المعاهدة غزو الهند عن طريق البر ؛ في مقابل أن يمد إيران بالأسلحة ويرسل بعثة عسكرية لتدريب جيشها لتتمكن من مقاومة روسيا القيصرية التي ضمت (( جورجيا )) إلى أراضيها عام 1801م .

لكن هذه المعاهدة لم تستفد منها إيران ؛ اذا سرعان ما أدارت فرنسا ظهرها لإيران , واتفقت مع روسيا وعقدت معها معاهدة (( كلستان او جلستان )) عام 1813م ؛ اذ اعترفت فيها فرنسا بملكية روسيا لجورجيا ؛ اذ تم التنازل عن أجزاء من القوقاز لروسيا .

وفي عام 1814م اتجهت إيران نحو بريطانيا العظمى ؛ اذ عقدت معها معاهدة تحالف دفاعي – كالمستجير من الرمضاء بالنار – بقيت سارية المفعول حتى عام 1857م إلا أن إيران لم تستفد منها بشيء قط .

وفي عام 1826م خاضت ايران حربا ضروسا مع روسيا , اذ وقفت بوجه المطامع الروسية , انتصرت فيها ايران أول مرة .

ولكنها سرعان ما انهزمت و رجعت القهقرى ؛ اذ استولى الروس على تبريز , ثم عقدوا معاهدة مع ايران , تحت اسم معاهدة : (( تركمان جاي )) في عام 1828 م؛ وقد نصت على إعطاء روسيا إقليمي : (( ايروان )) و (( تخجوان )) اللذين كانا ضمن الأراضي الإيرانية ؛ اذ تنازلت ايران عن اجزاء من القوقاز لروسيا أيضا – أرمينيا وأذربيجان – مع تعويض كبير .

كما نصت المعاهدة المجحفة على حق السفن الروسية في الرقابة الحربية على بحر قزوين , علاوة على ذلك فقد منحت – هذه المعاهدة – روسيا الكثير من الحقوق والامتيازات الاقتصادية والجمركية الخاصة .

وفي هذه الاثناء- من عام 1829م – تم تعبئة الجماهير – من قبل بعض الفقهاء ورجال الدين الشيعة – لاحتلال السفارة الروسية ؛ وعلى اثرها تم قتل السفير الروسي ومعاونيه .

ومن الواضح ان ايران الغنية – بمواردها – ؛ قد أصبحت موزعة بين المصالح المتعارضة للاستعمار الروسي والبريطاني في العهد القاجاري … ؛ فكانت روسيا تبني سياستها على أساس التوسع في آسيا وتطمع في أن يكون لها ميناء في المياه الدافئة يطل على الخليج … , بينما سعت بريطانيا جاهدة للسيطرة على الخليج وعلى جميع الأراضي المجاورة للهند .

ثم حكم (( محمد شاه )) حفيد فتحعلي شاه من عام 1834م حتى عام 1848م , وقيل : انه بذل جهده من أجل تحسين الحالة الداخلية للبلاد ؛ وقد خطبت روسيا ود ايران في عهده ؛ لتتمكن من تدعيم نفوذها في ولايات القوقاز وتركستان .

وتحرك محمد شاه ومن خلفه روسيا ؛ لإعادة فتح هراة ؛ لكن هذه الحملة الإيرانية المدعومة من قبل الروس قد فشلت ولم تؤتي اكلها , بسبب المقاومة التي كانت تدعمها بريطانيا لتلك المدينة .

وقد ظهرت في عهده حركة دينية – البابية – تبشر بقدوم الإمام المهدي ؛ قام بها : (( ميرزا علي محمد )) المولود في شيراز عام 1819م , وكان من رجال الدين الفقهاء , وقد قبل تعاليمه جمٌ غفيرٌ من الناس , والتفوا حوله , ولقبوه ب: (( الباب )) أي الباب بين دنيا المادة ودنيا الروح ؛ وقد ادعى أنه نقطة التجلي الإلهي في هذا العالم ؛ فدعا إلى السلام الدائم وإزالة الفوارق بين الطبقات والى حياة تقوم على أساس التفسير الروحي للإسلام ؛ وقد قتل (( ميرزا علي محمد )) في تبريز بأمر من الحكومة الإيرانية عام 1850م , وقد قتل حوالي (( 40000الف )) من اتباعه أيضا , وبعد قتل (( الباب ميرزا علي محمد )) صار (( ميرزا يحي )) – أحد اتباعه المقربين – رئيسا لطائفة البابية , وهاجر إلى (( أدرنة )) بتركيا , وقد توفي عام 1912م , وكان أخوه لأبيه (( ميرزا حسين )) قد اتخذ لقب : (( بهاء الله )) أو (( البهاء الإلهي )) عام 1863م , وترأس الدعوة البهائية , وقد مزج عناصر التصوف الإيرانية بأفكار تحررية كانت رائجة في أوربا ؛ وصاغ منها مذهبا دينيا جديدا ذو صبغة عالمية , ولا يعترف بطقوس خاصة , ولا بنظام خاص للكهنوت , وجعل مركزه مدينة عكا في فلسطين , وقد تابع هذه الدعوة ابنه و خليفته (( عباس أفندي )) فانتشرت في جميع أنحاء العالم , وأنشئت المحافل البهائية في طهران وسائر البلاد فيما بعد .

وقيل : ان وزيره قام بنشر الأمن في ايران , وحاول إرساء أسس إيران المستقلة , لكن كثرة ثورات الإسماعيليين والبابيين , والانتفاضات المحلية ؛ أدت – بالتالي – الى زعزعة السلطة القاجارية , ومن وقتها تسارعت وتيرة الانحطاط والتدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فيها .

وبعد وفاة الشاه (( محمد شاه )) اعتلى (( ناصر الدين شاه )) ابن محمد شاه عرش إيران وهو في السادسة عشرة من عمره .

وقيل : ان عهده الطويل قد امتاز بالعلاقات الودية مع روسيا .

وفي عهده استولى الجيش الإيراني على هراة عام 1856م ؛ فأعلن الحاكم الانجليزي العام في الهند – عندها- الحرب على إيران , و أنزلت القوات البريطانية على رأس الخليج … , وعجزت روسيا عن مساعدة إيران – بالرغم من العلاقات الودية التي كانت تربطها بالشاه ناصر الدين – .

مما اضطر الشاه ناصر الدين إلى التسليم , وانسحبت إيران من هراة , واعترفت باستقلال أفغانستان بمقتضى معاهدة باريس التي أبرمت عام 1857م , وقد منحت هذه المعاهدة العديد من الحقوق والامتيازات التجارية لبريطانيا في إيران .

ومنذ ذلك الوقت – عام 1857م – اتخذ التنافس الروسي البريطاني على المسرح الإيراني صورة التدخل الاقتصادي ؛ حيث تطلب النشاط الصناعي المتزايد الذي ظهر في الغرب الحصول على المواد الخام وكذا الأسواق الجديدة ؛ لتصريف المنتجات الصناعية , وكانت إيران من المناطق التي تحولت إلى مكان مفتوح للغزو الاقتصادي المصحوب بالتدخل السياسي .

ومن المشاكل المفجعة التي تعرضت لها ايران – في هذا العهد – مشكلة الجفاف والمجاعة ؛ ومنها التي حدثت في عام 1871م والتي أدت الى هلاك الآلاف من الجياع .

وفي عام 1872م حصل (( البارون رويتر )) البريطاني على امتياز من ناصر الدين شاه القاجاري ؛ يعطي بريطانيا الحق في إنشاء السكك الحديدية وطرق المواصلات , واستغلال الثروة المعدنية والبترول لمدة سبعين سنة , كما أعطتها الحق في الإشراف على الأعمال الجمركية لمدة أربع وعشرين سنة .

ولما قام ناصر الدين شاه برحلته الأولى إلى أوربا في السنة الثالثة ؛ استقبل بفتور شديد في روسيا ؛ فألغى الامتياز الذي حصل عليه البارون رويتر عقب رجوعه .

ثم عاد ناصر الدين شاه واسترضى (( البارون رويتر )) البريطاني بمنحه حق إنشاء المصرف الإمبراطوري لإيران في عام 1889م , وفي عام 1890م أعطيت شركة انجليزية حق احتكار الطباق والدخان – التنباك – ؛ لكن علماء الدين الشيعة قادوا موجة من السخط والاستنكار … وكان على رأسهم الميرزا محمد حسن الشيرازي – نزيل سامراء – ومجموعة من العلماء القاطنين في العراق مضافا إلى علماء إيران … ؛ و أعلنوا تحريم الدخان ؛ فحدثت ثورة التنباك الشعبية , اذ بسببها تم ألغاء حق الاحتكار الجائر الذي اضر بالفلاحين الإيرانيين ضررا فادحا .

وقامت بريطانيا بعد عام واحد بإنشاء خطوط للبرق في جميع الأجزاء الغربية من إيران .

بدورها روسيا لم تقف مكتوفة اليدين أمام هذه التدخلات البريطانية الخطيرة ؛ ففي عام 1879م وافق ناصر الدين شاه على إنشاء لواء من القوزاق الفرس على النمط الروسي بشرط أن يديره ويقوده ضباط من الروس – حصرا – .

كما فتح مصرف روسي اسمه : (( مصرف التخفيض )) في طهران عام 1881م , وقد حصل احد الرعاة الروس عام 1888م على امتياز يمنحه حقوق الصيد في بحر قزوين … ؛ مضافا لذلك فقد استولت روسيا على طشقند و سمرقند وبخارى و خيوه , وأبرمت مع إيران اتفاقية : (( أخال )) التي اعترفت فيها إيران بحق روسيا في مدينة (( مزو )) .

وقد زار ناصر الدين شاه أوربا مرتين , ورجع مقتنعا بأن إيران بحاجة الى الاقتباس من الحضارة الأوربية ؛ حتى تستطيع أن تتخذ مكانها في العالم الحديث ؛ إلا أن الامتيازات التي منحها للدول الأجنبية جعلت الفائدة التي تعود على إيران قليلة ان لم تكن لا تذكر .

ملخص القول : أصبحت إيران في العهد القاجاري ساحة مكشوفة لكل من هب ودب ؛اذ تكالبت القوى الاستعمارية و الاستكبارية عليها … , ناهيك عن تفشي المظالم الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والبلابل والفتن الدينية … ؛ وقد فتحت السفارة الأمريكية في طهران عام 1882م , وظفرت خمس عشرة دولة أجنبية أخرى بحقوق وامتيازات لرعاياها المقيمين في طهران خلال الفترة من عام 1855م – 1900م .

وقد قتل ناصر الدين شاه عام 1896م ؛ وتولى مكانه ابنه مظفر الدين شاه الذي انشغل بالسفرات والرحلات السياحية إلى أوربا , والتي كلفت الحكومة أموالا طائلة , وسببت العجز للخزانة العامة ؛ فقد أمست الخزانة فارغة وخاوية على عروشها .

وبينما كان مظفر الدين شاه مشغولا بسفراته والصرف على رحلاته ؛ ورجال البلاط وكبار الموظفين يكدسون الذهب والفضة والأموال … ؛ كانت جماهير الشعب الإيراني تعاني من شظف العيش وتتألم من العوز والفاقة … .

وقد اضطرت الحكومة القاجارية إلى الاقتراض من روسيا عام 1900م ؛ وكان قدره : (( 22 مليون روبل )) بفائدة قدرها 5% على أن يخصص جزء منه لسداد الديون الأجنبية المتراكمة , وأن لا تقترض إيران من دولة أخرى حتى يتم سداد القرض الروسي , وقد ضمنت الجمارك الإيرانية أداء هذا القرض ؛ ولم يبق من هذا القرض الروسي الكبير – آنذاك – بعد دفع نفقات سفرات ورحلات الشاه القاجاري مظفر الدين إلى أوربا , وسداد قرض المصرف الإمبراطوري , وتسوية بعض الالتزامات الا مبلغ ستة ملايين روبل فقط .

مما اضطر إيران إلى طلب قرض جديد آخر من روسيا أيضا … ؛ فقدمت لها قرضا بمبلغ عشرة ملايين روبل .

وفي عام 1901م أبرمت روسيا وإيران اتفاقية جمركية نصت على فرض رسوم جمركية بسيطة على البضائع المستوردة من روسيا , وعلى فرض رسوم جمركية مرتفعة على البضائع الواردة من الدول الأجنبية الأخرى .

وقد أدى عدم كفاءة الحكومة وفسادها وعجزها أمام الضغوط الخارجية والسيطرة الأجنبية على الاقتصاد الإيراني ؛ إلى تنامي السخط العام والغضب الشعبي , ونشأة الحركات الدينية والليبرالية والوطنية العديدة , والتقت كل هذه التيارات الإيرانية ؛ لتنفجر الثورة الدستورية في إيران بقيادة بعض علماء الدين الشيعة – في إيران والعراق – والشباب الذين تأثروا بالأفكار التحررية القادمة من الغرب ؛ مؤيدين من قبل التجار والأشراف … ؛ وقد وصلت حركتهم إلى ذروتها عام 1906م ؛ مما دفع الشاه إلى وعدهم بإجراء الإصلاحات المطلوبة … , وعندما استمر الضغط الشعبي عليه ؛ أعلن الشاه الدستور في أغسطس 1906م , وسرعان ما تكون أول برلمان تعهد بمعالجة الكثير من المشاكل العالقة .

وقد توفي مظفر الدين شاه في يناير 1907م ؛ وتطلع ابنه (( محمد علي شاه )) إلى الاستفادة من الاختلاف والتخاصم بين طبقات نواب البرلمان الإيراني ؛ ليستعيد سلطته الملكية المطلقة ويحل البرلمان ويسحق الدستور تحت قدميه , وقد تزامن مخطط الشاه محمد علي مع نفور التجار من النواب وعدم اهتمامهم بالبرلمان ؛ اذ امتنعوا عن دعمه ومده بالأموال اللازمة , مضافا إلى انقلاب بعض علماء الدين على النواب … .

كانت بريطانيا تساعد الدستوريين – لا حبا بهم – بل كي تضع حدا للنفوذ الروسي المتزايد في إيران ؛ لكنها سرعان ما عقدت معاهدة مع روسيا عام 1907م تضمنت نصوصا تتعلق بإيران حيث اتفق الطرفان على احترام سيادتها واستقلالها وتقسيم مناطق النفوذ فيها … ؛ فخضع القسم الشمالي للنفوذ الروسي , والقسم الجنوبي الشرقي للنفوذ البريطاني , وقد مدت بريطانيا نفوذها إلى المنطقة الواقعة بين المنطقتين لتأمين الطريق إلى الهند .

بعد هذه المعاهدة البريطانية الروسية , وفي يونيو عام 1908م ضربت فرقة القوزاق الإيرانية بقيادة : (( الكولونيل لياكهوف )) مبنى البرلمان الإيراني بالقنابل … ؛ وأحدثت فيه أضرارا كبيرة وسقط العديد من القتلى … ؛ و بعد هذه الحادثة المروعة أعلن الشاه محمد علي حل البرلمان ؛ الا ان الثوار الدستوريين لم يضعفوا , فقد استولوا على مدينة تبريز … , الا أنهم انهزموا أمام القوات الروسية التي جاءت لقمعهم والاستيلاء على تبريز… .

كل هذه الإجراءات التعسفية لم تضعف عزيمة الشباب والثوار الدستوريين الإيرانيين ؛ إذ تجمعت قوات شعبية ثورية في رشت وأصفهان بقيادة احد القواد القبايين وتقدمت نحو طهران , وهزمت فرقة القوزاق الإيرانية , ودخلت المدينة في يوليه عام 1909م؛ و بعد هذه الهزيمة النكراء لجأ الشاه محمد علي إلى السفارة الروسية , ثم ولى فارا إلى روسيا .

بعد هذه الأحداث تم افتتاح البرلمان الإيراني من جديد ؛ وقد عين البرلمان : (( احمد شاه )) ملكا على إيران ليحل محل أبيه الهارب , وكان في الحادية عشرة من عمره , وقد شكل البرلمان الإيراني محكمة خاصة لمعاقبة جميع الذين شاركوا في الحرب الأهلية و وقفوا ضد الحركة الدستورية ؛ ومن بين الذين اعدموا لهذا السبب عالم الدين المشهور الشيخ فضل الله النوري… .

في هذه الأثناء تقدمت القوات الروسية المعسكرة في شمال إيران إلى قزوين بعد قتل الكثير من الثوار – كما مر آنفا – في تبريز ؛ وعند قيام الحرب العالمية الأولى صارت إيران مرتعا للحلفاء , اذ استولت روسيا على أجزاء من شمال إيران , وقيل ان الروس – الاتحاد السوفيتي – قد حصلوا على تنازلات إيرانية أكثر من اي وقت مضى وكانت أكثر إذلالا ؛ بسبب ضعف الحكومة القاجارية , مما اثار غضب الجماهير الإيرانية المحافظة والشخصيات الوطنية وهم يرون بلادهم تنهب من قبل الروس الملاحدة … .

وقد قاتل الروس والبريطانيون العثمانيين في إيران خلال الحرب العالمية الأولى , وأصبحت إيران ساحة حرب كبيرة , وتعالت صيحات الشعب الإيراني الذي رفض تحويل إيران إلى ساحة قتال , وقد اتهم الشعب حكومة احمد شاه بالضعف والتقصير في حماية إيران … .

وفي عام 1917م استخدمت بريطانيا إيران للهجوم على روسيا في محاولة فاشلة لقلب الثورة الروسية عام 1917م والتي قضت على الحكم القيصري … .

وقد أدى تغيير نظام الحكم في روسيا بعد الثورة البلشفية عام 1917م الى تقليص المطامع والتخلي ولو جزئيا عن السياسة القيصرية الامبريالية في إيران , وإطلاق يد الانكليز فيها .

وبعد الحرب العالمية الأولى خرجت إيران من الحرب في حالة من الفوضى الإدارية والخراب الاقتصادي ,و رفض مؤتمر الصلح الدولي مطالب إيران الوطنية , وقد عقدت معاهدة عام 1919م والتي وعدت بريطانيا في نصوصها باحترام استقلال إيران ومدها بالمستشارين والخبراء العسكريين والأسلحة والمعدات والقروض وإنشاء السكك الحديدية وإعادة النظر في الاتفاقيات الجمركية , لكن هذه المعاهدة لم تطبق بسبب الضغط الجماهيري الإيراني والحركات الشعبية التي تطالب بالديمقراطية والاستقلال التام ؛ وقيل أن احد أسباب انقراض و زوال السلطة القاجارية ؛ هو ان الشاه احمد – اخر ملوك القاجارية – كان من المعارضين لهذه المعاهدة ولم يصادق عليها بتاتا … ؛ وقد أدت معارضته الى جانب معارضة الفقهاء ورجال الدين الشيعة والقوى الوطنية ؛ الى سقوط حكومة رئيس الوزراء : (( وثوق الدولة )) وعدم المصادقة عليها في البرلمان , لذلك لم ينس الانجليز هذا الموقف للشاه احمد , ومنذ ذلك الحين سعت بريطانيا لإيجاد البديل الذي يستطيع حفظ مصالحهم والقضاء على المعارضة الداخلية , والتي كان الفقهاء الشيعة الحركيين ورجال الدين الوطنيين على رأسها , لذلك هيأوا للمجيء بالعسكري : (( رضا خان )) الذي كان وزيرا للدفاع ؛ اذ نصت هذه المعاهدة على جعل إيران دولة مستقلة لكن تحت الوصاية البريطانية , مقابل مساعدتها للخروج من أزمتها .

وبحلول عام 1920م فقدت الحكومة القاجارية كل سيطرتها – تقريبا – على الأراضي الإيرانية باستثناء العاصمة … , واحمد شاه فقد السيطرة , وأصبح لا يحرك ساكنا ولا يوقف متحركا .

وفي 21 فبراير من عام 1921م ؛ تم دفع احمد شاه جانبا وتنحيته , بانقلاب عسكري قاده قائد حامية القوزاق و وزير الحربية العقيد رضا خان الذي استولى بعد ذلك على منصب رئاسة الوزراء .

وقد أبرمت روسيا السوفيتية مع إيران معاهدة عام 1921م ؛ وقد نصت المعاهدة على أن لروسيا الحق في إرسال قواتها عبر إيران دفاعا عن نفسها ضد أي تهديد مباشر من دولة أخرى … .

وفي عهد (( احمد شاه )) ظهر الثائر الإيراني : (( ميرزا كوجك خان 1880- 1921م )) ؛ وقد ثار ميرزا كوجك ضد الحكومة القاجارية بسبب وجود القوى الاستكبارية الأجنبية – روسيا في الشمال الإيراني وبريطانيا في الجنوب – ؛ وقيامه يعتبر أول قيام مسلح في إيران – ثورته بدأت بعد عام 1914م – , إذ كون جيش في غابات جيلان – محافظة شمال إيران – وقد قاوم لعدة سنين في الغابات , وقد تلاشى جيشه بمرور الوقت حتى بقى وحيدا فريدا ؛ اذ انهزم في الجبال وسط موجات البرد القارص ؛ وقد مات من شدة البرد عام 1921م في وسط جبال البرز , و وجدوا جثته مجمدة في وسط الثلج , فقام احد أصدقائه ومناصريه القدامى بقطع رأسه وتسليمه للحكومة طمعا في الجائزة .

وقد ادعى بعضهم : بان احمد شاه كان واحدا من أكثر الملوك ديمقراطية في التفكير … , وبعضهم قال : انه حاكم ضعيف , وغير مهتم بالأمور السياسية , وقد أهمل شؤون الحكم… .

وقيل : ان احمد شاه حاول إصلاح الأضرار التي لحقت بإيران من جراء سياسة والده ؛ من خلال تعيين وزراء أفضل … , الا انه فشل وكانت خطواته غير فعالة بسبب مواجهة التدخلات الخارجية القوية والاضطرابات الداخلية … .

بعد رئاسة الوزراء للشاه البهلوي عام 1923م بأشهر قليلة ؛ ترك احمد شاه اخر ملوك القاجارية إيران الى المنفى الاختياري ؛ وبهذا ينتهي فصل مهم من فصول تاريخ إيران .

ويظهر مما تقدم ان السيد روح الله الخميني قد قضى – (( 21 عام إذا قلنا ان العهد القاجاري انتهى عام 1923م ؛ أو 23 عام اذا قلنا ان العهد القاجاري قد انتهى عام 1925 بتتويج الشاه البهلوي ملكا على ايران )) – من عمره في العهد القاجاري ؛ إذ ولد السيد الخميني عام 1902م في حكم الشاه القاجاري مظفر الدين وعندما بلغ السيد الخميني الخامسة من عمره توفى مظفر الدين شاه عام 1907م , بعدها عاصر السيد الخميني (( محمد علي شاه )) الذي اعتزل الحكم عندما بلغ السيد الخميني السابعة من عمره , بعدها قضى الإمام الخميني في عهد الشاه احمد 14 او 16 عام تقريبا … ؛ عاش في هذا العهد الذي أقل ما يقال بحقه : انه مضطرب ومتزلزل … ؛ فقد نشأ في ظرف سياسي عصيب ؛ إذ الأقاليم الإيرانية عانت الأمرين ,من مآس وأزمات الحكام القاجاريين , وتدخلات القوى الاستكبارية .

في خضم هذه التحولات السياسية والمآسي الاجتماعية والاضطرابات الداخلية عاش السيد الخميني في هذا العصر المتأزم فكريا و روحيا , والمتدهور سياسيا واقتصاديا ؛ عقدين من الزمن .

وقد نقل لنا السيد الخميني بعضا من ذكرياته الحزينة عن تلك الحقبة المظلمة من تاريخ إيران , إذ تكلم السيد الخميني عن الحرب العالمية الأولى وذكرياتها المؤلمة عندما كان حدثا في الثانية عشر من عمره ؛ اذ قال : (( أتذكر كلا الحربين العالميتين … كنت صغيرا لكنني في المدرسة , وكنت أرى الجنود الروس في نفس المركز الذي كنا نرتاده في مدينة خمين , وكنا عرضة للهجوم والعدوان في الحرب العالمية الأولى )) ومما ذكره السيد الخميني في مناسبة أخرى أسماء بعض الإقطاعيين الظلمة والجائرين السراق الذين نهبوا أموال الناس المستضعفين بالباطل وهتكوا أعراضهم في ظل صمت النظام القاجاري بل بدعم الحكومة المركزية الفاسدة … ؛ إذ يقول : (( كنت في حالة حرب منذ طفولتي … كنا عرضة لاعتداءات أمثال (( زلقي )) و (( رجب علي )) , وكنا نحمل البنادق بأنفسنا , وانا شخصيا مع إني كنت في بداية سن البلوغ , او كنت طفلا , لكنني كنت أذهب لخنادق المقاومة في منطقتنا حيث كان الأعداء ينوون الهجوم علينا ونهبنا , كنت أذهب وأتنقل بين الخنادق )) ففي هذا العهد ولاسيما حكومة ملوك الطوائف تردت الأوضاع بصورة رهيبة ؛ إذ صال وجال فيها الإقطاعيون و ( الشقاوات ) على نحو مضطرب فوضوي ينذر بالشر والضرر … ؛ قطعا السيد الخميني لم ينسى ما تعرض له علماء الدين بعد أحداث ثورة الدستور ؛ إذ تعرضوا لهجمات متتالية تشنها ضدهم الحكومات المركزية الإيرانية العميلة للإنجليز والروس ,وهدفا من ناحية ثانية لهجمات واعتداءات بعض المستنيرين والمتأثرين بالثقافة الغربية المتعصبين … .

في هذه الظروف العصبية وظف السيد الخميني كل طاقاته لاجتياز دروس المقدمات والسطوح الحوزوية …, علاوة على السير في طريق التهذيب والتهجد والرقي الأخلاقي والعرفاني … ؛ وكان والد السيد الخميني من رجال الدين الحركيين ومن أصحاب المواقف البطولية , إذ كان يتمتع بالشجاعة و الشمائل الحميدة , وقد فضح وكشف ظلم الإقطاعيين المدعومين من السلطات المركزية وتصدى لهم , ونصر القرويين المستضعفين والفلاحين ؛ وقد أدت هذه المواقف الوطنية المسؤولة إلى مقتله على يد المجرمين المدعومين من قبل الظلمة والإقطاعيين … .

وبما ان السيد الخميني واحد من أبناء الشعب ؛ و ان الشعب كله مستاء من الأوضاع العامة في العهد القاجاري الأخير … ؛ أيضا السيد الخميني كان الاستياء يعتمل في داخله … ؛ في أواخر عهد الأسرة الملكية القاجارية في إيران , اذ وصلت احوال البلاد إلى حد لا يطاق من كبت الحريات والقسوة والظلم والاستبداد والفوضى والفساد … ؛ ناهيك عن التدخلات الأجنبية في السياسة الإيرانية والشؤون الداخلية … , لذا كان المجتمع الإيراني ولاسيما شريحة الفقهاء الحركيين ورجال الدين الواعين الوطنيين والقوى الوطنية الاخرى تقف على صفيح ساخن وتترقب الأحداث عن كثب , ومستعدة للنزال والجهاد والكفاح , كي تنقض على المفسدين وتخلص البلاد منهم ؛ وكان ما كان من أمر انتهاء الحكم القاجاري في ايران … . (1)

………………………………………………………..

1- بحثي الموسوم : ((نظرة خاطفة في ابرز أحداث العهد القاجاري))/ بتصرف .